محمد بن جرير الطبري

34

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

ذلك ليلتين أو ثلاث ليال ، وجعلوا يركضون دوابهم خلف السور ، ففعلوا ذلك غير مره ، فلما انسوا هيأ لهم الافشين أربعة كراديس من الفرسان والرجاله ، فكانت الرجاله ناشبه ، فكمنوا لهم في الأودية ، ووضع عليهم العيون ، فلما انحدروا في وقتهم الذي كانوا ينحدرون فيه في كل مره ، وصاحوا وجلبوا كعادتهم شدت عليهم الخيل والرجاله الذين رتبوا ، فأخذوا عليهم طريقهم . واخرج الافشين إليهم كردوسين من الرجاله في جوف الليل ، فأحسوا ان قد أخذت عليهم العقبة ، فتفرقوا في عده طرق ، حتى أقبلوا يتسلقون الجبال ، فمروا فلم يعودوا إلى ما كانوا يفعلون ، ورجع الناس من الطلب مع صلاه الغداة إلى الخندق بروذ الروذ ، ولم يلحقوا من الخرمية أحدا . ثم إن الافشين كان في كل أسبوع يضرب بالطبول نصف الليل ، ويخرج بالشمع والنفاطات إلى باب الخندق ، وقد عرف كل انسان منهم كردوسه ، من كان في الميمنه ومن كان في الميسره ، فيخرج الناس فيقفون في مواقفهم ومواضعهم وكان الافشين يحمل اعلاما سودا كبارا ، اثنى عشر علما يحملها على البغال ، ولم يكن يحملها على الخيل لئلا تزعزع ، يحملها على اثنى عشر بغلا ، وكانت طبوله الكبار واحدا وعشرين طبلا ، وكانت الاعلام الصغار نحوا من خمسمائة علم ، فيقف أصحابه كل فرق على مرتبتهم من ربع الليل ، حتى إذا طلع الفجر ركب الافشين من مضربه ، فيؤذن المؤذن بين يديه ويصلى ، ثم يصلى الناس بغلس ، ثم يأمر بضرب الطبول ، ويسير زحفا وكانت علامته في المسير والوقوف تحريك الطبول وسكونها ، لكثرة الناس ومسيرهم في الجبال والأزقة على مصافهم ، كلما استقبلوا جبلا صعدوه ، وإذا هبطوا إلى واد مضوا فيه ، الا ان يكون جبلا منيعا لا يمكنهم صعوده وهبوطه ، فإنهم كانوا ينضمون إلى العساكر ، ويرجعون إذا جاءوا إلى الجبل إلى مصافهم ومواضعهم ، وكانت علامه المسير ضرب الطبول ، فان أراد ان يقف امسك عن ضرب الطبول ، فيقف الناس جميعا من كل ناحية على جبل ، أو في واد أو في مكانهم ، وكان يسير قليلا قليلا ، كلما جاءه كوهبانى بخبر وقف